السيد حيدر الآملي
329
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
المفارقات المسمّاة بالجبروت والملكوت . والأرض إشارة إلى عالم الأجسام والمحسوسات والمركّبات ، المسمّاة بالملك والشهادة ، والأمر النّازل بينهما إشارة إلى الإنسان الحقيقي الكبير المعبر عنه بالخليفة الأعظم ، أو إلى الإنسان الصغير ، المعبّر عنه بآدم وذرّيته . ( المراد من اللقاء ) والمراد من هذا التفصيل والترتيب والجمع بينهما ، أن يعرف عبيده المخلصون على الوجه المذكور ، أعني بحسب ملابس الأسماء والصّفات ، ومظاهر الأفعال والأكوان كشفا وشهودا أو بحسب حجب الملك والملكوت والجبروت ، ذوقا ووجدانا ومشاهدة وعيانا ، لقول بعض العارفين فيه : تجلّى لي المحبوب من كلّ وجهة * فشاهدته في كل معنى وصورة ولقوله تعالى في كتابه : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ سورة البقرة : 115 ] . وقوله : لتعلموا بعد الآية إشارة إلى هذا ، وتقديره أي لتعلموا أنّ المقصود من جميع ذلك معرفته وعبادته بموجب قوله في الأوّل : كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق [ قد مرّ مرجعه والإشارة إليه في التعليقة 77 ] . وبمقتضى إشارته في الثاني : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ سورة الذاريات : 56 ] . لأنّ اللّام ، لام التّعليل فالعلّة لا تكون فيه إلّا هذا ، ولهذا قال عقيبه : أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [ سورة الطلاق : 12 ] . ومراده : أي لتعلموا أنّ المقصود معرفته وعبادته ، لكن على الوجه المعلوم . وهو أن يعرفوه من حيث الكشف والشهود ويتحققوه ، أنّه قادر على كلّ شيء من الممكنات بالإيجاد والإعدام والتّفجير والتبديل والظّهور والخفاء وأنّه قد أحاط بكل شيء علما وذاتا ووجودا وماهيّة وحقيقة وصفة وفعلا ، وليس في الوجود غيره ،